القاضي النعمان المغربي
108
تأويل الدعائم
شيء ما دام معلوما معروفا مميزا من قول المتكلفين وآراء المبطلين فإذا ألبسوه بباطلهم وغلب ما لبسوه به عليه فلم تعرف حقيقته لم يجز استعماله . ومنه قوله تعالى : « وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ » ويكون ذلك كالماء في الظاهر الّذي غلبت عليه النجاسة لا يجوز استعماله في ظاهر ولا باطن كما لا يجوز شرب الماء الّذي غلبت عليه النجاسة ولا تجزى الطهارة به . وأمّا ما جاء في الدعائم في الميضأة تكون بقرب المسجد يدخل الجنب والحائض فيها يده أن ذلك لا يفسدها ، فمثل ذلك في الباطن مثل علم المفاتحين لا يفسده كلام من فاتحوه ممن أحدث حدثا ولا كلامهم هم من ذات أنفسهم لأن مثل الحائض هاهنا مثل المستجيب يحدث في الدين حدثا يجب عليه أن يتطهر منه ومثل الجنب مثل المفاتح ومن يفاتحه بالعلم وذلك مثله مثل الطهارة فما كان منهما من الكلام عند ذلك لا يلتبس به الحق بالباطل ولا يغيره لم يفسد ذلك العلم الّذي يتفاوضان فيه ولم يغيره . وأمّا ما جاء في الدعائم من أن الكلاب والسباع إذا ولغت في الماء أو وردته لم تنجسه ما لم تتبين آثارها فيه فالسباع أمثال رؤساء أهل الباطل والكلاب أتباعهم لا يفسد العلم أخذهم منه ولا إدخالهم فيه ما عسى أن يدخلوه ما لم يغلب ذلك عليه ويغيره . وأمّا ما جاء في الدعائم من أن الماء لا يفسده ما خالطه من الغائط والبول ما لم يتبين ذلك فيه ويغلب عليه فمثل ذلك في الباطن أن ما أدخله أهل الكفر والشرك من كفرهم وشركهم في العلم ليلبسوا به الحق بالباطل كما وصفهم اللّه تعالى بذلك فلم يغلب ما أدخلوه من ذلك على العلم ولم يظهر فيه فيلبس على طالبيه لم يفسده ذلك فإذا ظهر فيه والتبس به لم يجز استعماله كما لا يجوز استعمال الماء في الظاهر الّذي يظهر ذلك فيه ويغلب عليه . وأمّا ما جاء في الدعائم من أن الحيوان يقع في الماء فيموت فيه أن ذلك لا يفسده إلا أن يحيل ذلك ريحه أو لونه أو طعمه وأن ذلك إن أحاله فنزح منه إن كان بئرا أو أدخل عليه من الماء الطاهر إن كان غديرا ما يزيل ذلك عاد طاهرا فمثل ذلك في الباطن الواقع في العلم والموقوع فيه بجهالة على غير ترتيب وتربية يهلك من